السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

29

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

أمر المأمور بما أمره به آمره أمر لآمره ، وهو أولى من القول بأن عيسى نفسه أرسلهما من تلقاء نفسه ، لأن الرسول لا يعمل شيئا إلا بوحي من مرسله . وهذان الرسولان على ما قيل هما حنا وبولس عليهما السلام ، فلما قربا من القرية رأيا حبيبا النجار يرعى أغنامه ، فسلما عليه فقال : من أنتما ؟ قالا رسولا عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه وسلامه ، فقال : ما جاء بكما إلى هنا من القدس ؟ قالا : أتينا لندعوكم لعبادة اللّه وحده ، ونحذركم من عبادة الأوثان ، فقال : ما آيتكما على ذلك ؟ قالا : آيتنا إبراء الأكمه والأبرص ونشفي المرضى بإذن اللّه ، وان الذي أرسلنا يفعل هذا ويحيي الموتى بإذن اللّه . فأخذهما إلى منزله وعرض عليهما بنته المريضة المزمنة ، فلمساها بيدهما فقامت بإذن اللّه صحيحة سليمة ، ثم أتى لهما بمرضى آخرين فلمساهم فشفاهم اللّه على يديهما ، فحلت به العناية وأسلم ، وشاع خبرهما في المدينة بأنهما يشفيان المرضى دون عقاقير ، فاستدعاهما ملك المدينة إذ ذاك واسمه انطيخش وقال لهما أولنا دون آلهتنا آلهة ؟ قالا نعم . قال من هو ؟ قالا الذي أوجدك وآلهتك . فأخذهما وحبسهما وضربهما . وهذا مغزى قوله تعالى « فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ » قويناهما بإرسال رسول ثالث وهو على ما قيل شمعون عليه السلام ، وذلك أن عيسى عليه السلام لما استبطأهما ولم يأت خبر منهما ولا عنهما أرسل بأمر اللّه رسولا آخر ليسير خبرهما ويبصر ما جرى لهما ، فتوجه إلى أنطاكية ودخلها متنكرا ، وبعد أن استقر صار يختلط مع عامة أهلها ليقف على حالهم ويتعرف على رفيقيه ، ولم يزل حتى عرفهما بالسجن من أجل دعوتهما وجود إله هو إله الملك والخلق أجمع ، فاتصل بحاشية الملك وصار يعاشر كلا منهم بما يليق به ويكلم كلا بحسب مقامه بما آتاه اللّه من حنكة وحكمة ولين جانب وخلق واسع ، حتى استمال الجميع من الخادم إلى الوزير ثم صار يعرض لهم أنه يود مقابلة الملك وأنه يحبه ، وقد أنسوا به ولم يريدوا فراقه ، فرفعوا أمره للملك وأخبروه بما هو عليه من لياقة ولباقة ، فاشتاق إليه واستحضره ، فلما كلّمه أنس به وأكرمه ورضي عشرته وأثنى على حاشيته الذين قدموه له نظرا لما كان يعاملهم به من التقية توصلا